أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

211

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

يعرف دعاءها من سوقها ، والبرّ أيضا الفؤاد ، قال : 429 - أكون مكان البرّ منه ودونه * وأجعل مالي دونه وأوامره « 1 » والبرّ - بالفتح - الإجلال والتعظيم ، ومنه : ولد برّ بوالديه ، أي : يعظّمهما ، واللّه تعالى برّ لسعة خيره على خلقه . قوله : « وتنسون » داخل في حيّز الإنكار ، وأصل تنسون : تنسيون ، فاعلّ بحذف الياء بعد سكونها ، وقد تقدّم في « اشتروا » ، فوزنه تفعون ، والنّسيان : ضدّ الذّكر ، وهو السهو الحاصل بعد حصول العلم ، وقد يطلق على التّرك ، ومنه : نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ « 2 » ، وقد يدخله التعليق حملا على نقيضه ، قال : 430 - ومن أنتم إنّا نسينا من أنتم * وريحكم من أيّ ريح الأعاصر « 3 » قوله : وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتابَ مبتدأ وخبر في محلّ نصب على الحال ، العامل فيها « تنسون » . والتلاوة : التتابع ، ومنه تلاوة القرآن ، لأنّ القارئ يتبع كلماته بعضها ببعض ، ومنه : وَالْقَمَرِ إِذا تَلاها « 4 » ، وأصل تتلون : تتلوون بواوين فاستثقلت الضمة على الواو الأولى فحذفت ، فالتقى ساكنان ، فحذفت فوزنه : تفعون . قوله : أَ فَلا تَعْقِلُونَ الهمزة للإنكار أيضا ، وهي في نيّة التأخير عن الفاء لأنها حرف عطف ، وكذا تتقدّم أيضا على الواو وثم نحو : أَ وَلا يَعْلَمُونَ « 5 » أَ ثُمَّ إِذا ما وَقَعَ « 6 » ، والنيّة بها التأخير ، وما عدا ذلك من حروف العطف فلا تتقدّم عليه ، تقول : ما قام زيد بل أقعد ؟ هذا مذهب الجمهور . وزعم الزمخشري أن الهمزة في موضعها غير منويّ بها التأخير ، ويقدّر قبل الفاء والواو وثم فعلا عطف عليه ما بعده ، فيقدّر هنا : أتغفلون فلا تعقلون ، وكذا : « أَ فَلَمْ يَرَوْا » « 7 » أي : أعموا فلم يروا ، وقد خالف هذا الأصل ووافق الجمهور في مواضع يأتي التنبيه عليها . ومفعول « تعقلون » غير مراد ، لأنّ المعنى : أفلا يكون منكم عقل . وقيل : تقديره : أفلا تعقلون قبح ما ارتكبتم من ذلك . والعقل : الإدراك المانع من الخطأ ، وأصله المنع . ومنه : العقال ، لأنه يمنع البعير ، وعقل الدّيّة لأنه يمنع من قتل الجاني ، والعقل أيضا ثوب موشّى ، قال علقمة : 431 - عقلا ورقما تظلّ الطير تتبعه * كأنّه من دم الأجواف مدموم « 8 » قال ابن فارس : « ما كان منقوشا طولا فهو عقل ، أو مستديرا فهو رقم » ولا محلّ لهذه الجملة لاستئنافها . قوله : وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ هذه الجملة الأمرية عطف على ما قبلها من الأوامر ، ولكن اعترض بينها بهذه الجمل . وأصل « استعينوا » استعونوا ففعل به ما فعل في « نستعين » ، وقد تقدّم تحقيقه ومعناه . و « بالصبر » متعلق به والباء للاستعانة أو للسببية ، والمستعان عليه محذوف ليعمّ جميع الأحوال المستعان عليها ، و « استعان » يتعدّى

--> ( 1 ) البيت ذكره ابن منظور في اللسان بلا نسبة م « برر » ، وانظر القرطبي ( 1 / 250 ) . ( 2 ) سورة التوبة ، آية ( 67 ) . ( 3 ) البيت لزياد بن الأعجم انظر الخصائص ( 3 / 89 ) ، المحتسب ( 1 / 168 ) ، الهمع ( 1 / 155 ) ، حاشية يس ( 1 / 253 ) ، الدرر ( 1 / 137 ) . ( 4 ) سورة الشمس ، آية ( 2 ) . ( 5 ) سورة البقرة ، آية ( 77 ) . ( 6 ) سورة يونس ، آية ( 51 ) . ( 7 ) سورة سبأ ، آية ( 9 ) . ( 8 ) البيت في ديوانه ( 51 ) ، المفضليات ( 397 ) .